من ملامح الحياة الجماعية صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك

 151aلا تختص رفاق الكرمة دون غيرها في الكنيسة بالاهتمام ببعد الحياة الجماعية، لأننا نجد هذا النمط الحياتي عند الكثير من الحركات الكنسية وداخل الحياة الرهبانية، وتتميز أغلب النشاطات العلمانية بتشجيع العمل في مجموعات وفرق. لذا من المهم أن نتبين بوضوح خصوصية الحياة الجماعية في رفاق الكرمة ونفهم متطلباتها.

وفي رفاق الكرمة نجد أن المبادئ العامة تذكر بوضوح البعد الجماعي حين تقول : "ولكي نعد أعضاءنا إعدادا أكثر فعالية للشهادة والخدمة الرسوليتين، في محيطنا اليومي خاصة، نجمع في جماعات أشخاصا يشعرون بحاجة ملحة إلى توحيد حياتهم الإنسانية، على جميع مستوياتها بملء إيمانهم المسيحي...(مبدأ 4). ونعبر عن بذلنا لأنفسنا بالتزامنا الشخصي في جماعة "رفاق الكرمة" العالمية، من خلال انتمائنا الحر إلى جماعة محلية. فالجماعة المحلية - الممركزة حول الإفخارستيا – هي اختيار للوحدة في الحب والعمل اختبارا فعليا. فكل جماعة من جماعاتنا هي فعلا اجتماع أشخاص في المسيح ونواة للجسد السري. ونحن مرتبطون بعضنا ببعض بفضل التزامنا المشترك، ونمط حياتنا المشترك، واعترافنا بأمنا مريم العذراء، وحبنا لها" (مبدأ 7).

 

من الخبرة الشخصية إلى الجماعة المسيحية

نردد عامة أن رفاق الكرمة ليست شلة أصدقاء ولا مجموعة خدمة أو دراسة دينية ولا فريق صلاة، مع أن هذه الأبعاد الإيجابية قد تكون حاضرة وفعالة في حياة جماعات رفاق الكرمة وتغذي أعضاءها. ولكن من غير المعقول أن نعرّف "رفاق الكرمة" بالنفي، فنحن نحتاج، ومن هم خارج الرفاق أيضا، إلى تعريف موضوعي واضح المعالم كي نختار بوعي نوعية انخراطنا وحضورنا المسيحي والكنسي.  

بادئ ذي بدء تقوم جماعة رفاق الكرمة على تجربة روحية شخصية لكل واحد من أعضائها، خبرة لقاء مع شخص يسوع المسيح أحيت فيهم الرغبة في "إتباعه عن كثب والعمل معه في تشييد الملكوت" (مبدأ 4). ويكتشف من قام بهذه الخبرة الروحية أنه مدعو إلى الانضمام إلى أشخاص آخرين مروا بالخبرة نفسها لتكوين جماعة محورها وهدفها المسيح. فمن صميم الخبرة الروحية الشخصية أن تجعل الشخص يشعر أن المسيح يدعوه إلى الدخول في أخوة لم يختر أعضاءها ولم ينشئها، أخوة مكونة من أشخاص غرباء مبدئياً ولكن مدعوون كي يصبحوا جميعا "أصدقاء في الرب".

 

أصدقاء في الرب

ماذا تعني هذه العبارة "أصدقاء في الرب"؟ أول ما تعنيه أن أساس هذه الصداقة ليست المعرفة المسبقة ولا الاستلطاف ولكن الاشتراك في الخبرة الروحية المؤسسة. نحن معاً لأن الرب تكلم في قلب كل واحد منا بشكل شخصي وعميق، ثمرة المرور بالرياضات الروحية للقديس إغناطيوس. ومن هنا نفهم تميز الخبرة الروحية لكل فرد من أعضاء جماعة رفاق الكرمة وتماثلها في الوقت نفسه مع خبرة الآخرين. فنحن متميزون لأن الله يكلمنا بشكل شخصي من خلال خبرتنا وتاريخنا ووضعنا، ولكننا مشتركون، بفضل التجربة الروحية الأساسية، في الفهم لعمل الله وحضوره في قلب الإنسان والعالم. لذا تجمع رفاق الكرمة أشخاصا مختلفين من كافة الأعمار والأوساط، توحدهم رغبة واحدة في إتباع المسيح وخدمته حسب الروحانية الإغناطية ومنهجها.

وعلى هذا الأساس تتميز حياة رفاق الكرمة بالاحترام العميق لهوية وتجربة كل شخص ينتمي إليها، مؤمنة بصوت الروح القدس فيه، ولكنها تدعوه في الوقت نفسه إلى الإنصات إلى صوت الرب الحاضر في الآخرين وفي العالم. فتقوم اجتماعات الرفاق على المشاركة والتبادل للخبرات، بحثاً من جهة عن دعم الخبرة الروحية لكل واحد وتأصيلها بشكل متجدد في شخص المسيح، وطلباً من جهة أخرى لنور الرب لتمييز الرسالة الفردية والجماعية. تنمو وتتعمق الخبرة الروحية الشخصية من خلال المشاركة الأخوية التي تساند وتقوي، لأن استمرار العلاقة الشخصية مع المسيح يحتاج إلى معاونة الأخوة ومحبتهم. نحتاج أحيانا إلى التشجيع في مواصلة طريق الصلاة الشخصية أو العودة إليه، ونحتاج أحيانا أخرى إلى التصحيح الأخوي أمام موقف غير بناء أو توجه غير صائب. وكل هذا يدخل في صميم العلاقة الأخوية الجديدة التي نكتشفها بفضل عمل المسيح في قلوبنا وجماعاتنا.

ومن ناحية أخرى يعبر البعد الاجتماعي والمجاني داخل رفاق الكرمة عن فرحة لقاء الأصدقاء، ويمثل بعدا أساسيا في حياة أي جماعة مسيحية. هو علامة عن الأخوة الجديدة التي يهبها لنا المسيح، وهو شهادة عن حضوره وسطنا ومعنا، وهو القاعدة التي تمهد للمشاركة وللحوار الروحي. وهذا يعني أن الصداقة في الرب هي ما تؤسس الصداقة الإنسانية، بل هي ما تعطي للصداقة الإنسانية عمقها وجمالها الحقيقيين. نحن معا ليس فقط لأننا نقدر ونحب بعضنا البعض، بل لأننا وجدنا سويا – في شخص المسيح - ما يعطي لقلبنا فرحة الحياة ولصداقتنا المعنى والقوة. وعلى هذا الأساس، تتعدى صداقتنا الاستلطاف، وتقبل الاختلاف في الآراء والفكر والمواقف، بل تظهر قيمة الصداقة في الرب وقت الشدة التي تهدد كيان الجماعة. فقد يتحول الاختلاف إلى خلاف، ويظهر على السطح التنافر بين الطباع، أو يتسلل الملل والركود إلى القلب وينالان من الاجتماعات. هذا الوقت الصعب هو وقت المراجعة الشخصية والتقييم الجماعي والتوبة المشتركة، بحثا عن أصل وهدف وجودنا معا.      

 

جماعات تمييز روحي

ومن منطلق الأخوة الروحية أو الصداقة في الرب، يساهم الآخرون مساهمة فعالة ومهمة في البحث الشخصي عن إرادة الله وتمييز صوته وسط أصوات العالم، وكذلك في كشف أساليب العدو الكذاب – روح الشرير – الذي يحاول الدخول إلى حياتنا وزرع الاضطراب والبلبلة في قلبنا. التمييز الروحي مجهود شخصي : نعم بالتأكيد ولا بديل عنه. ولكنه لا ينضج ولا يتأكد إلا بالحديث مع شخص أخر، ولا يوضح ولا يأتي بثمر إلا بمشاركته مع إنسان أخر. التمييز الروحي هو في الوقت نفسه، كما تعلمنا الرياضات الروحية، ثمرة اختبار شخصي لتداخل الأرواح داخل من يصلي وحديثه مع المرافق كاشفا له المشاعر التي يشعر بها والأفكار التي يفكر فيها. وهذا ما يحدث في اجتماعات رفاق الكرمة : قراءة الشخص لأحداث حياته قراءة روحية لا تتوقف على مستوى السرد بل تنشد فهم معناها من خلال تتبع سير الأفكار والمشاعر المصاحبة لتلك الأحداث، وتعليق الآخرين عليها، لا على مستوى ردود الفعل العاطفية سواء بالتعضيد أو بالرفض، بل بالقيام بمجهود جاد لفهم معناها للشخص ولهم كجماعة، انطلاقا من معايير التمييز الروحي التي تقدمها الرياضات الروحية.

ويعني التمييز الروحي أن ننتبه كي لا تتحول اجتماعات رفاق الكرمة إلى مجرد لقاءات دردشة حول أمور عائلية ومهنية، بل تنطلق بطبيعة الحال من هذا الواقع الحياتي لتفهم ما الذي تعنيه هذه الأمور وما النداءات التي يوجهها الله لنا من خلال أحداث حياتنا. إذا فقدت جماعة معينة هذا الهدف، تحولت اجتماعاتها سريعا إلى لقاءات اجتماعية فحسب، معرضة إما للاستلطاف المبالغ فيه والذي يغلق الجماعة على ذاتها ويضيق إلى حد بعيد آفاقها واهتماماتها، وإما للوقوع فريسة الاختلافات في الآراء والأذواق والطباع. في كلتا الحالتين، تنهار هذه الجماعة من أساسها وتنفك روابطها الحقيقية. ولذا نقول إن رفاق الكرمة ليست شلة أصدقاء أو فريق اجتماعي، بل هي أولا وأخيرا جماعة مسيحية مبنية على الخبرة الروحية المستمدة من الرياضات الروحية.

مرسلين في كرم الرب

ومتى تأصلت الخبرة الشخصية في الرياضات الروحية للقديس إغناطيوس، فهي تأخذ بعدا رسوليا أساسيا. عمل الروح القدس هو تجديد للإنسان، وهو إحياء لقدراته وإمكانياته، وهو إرسال نحو العالم ليواصل الإنسان عمل الروح ويشهد له. اكتشاف عمل الله وحضوره في صميم أحداث الحياة اليومية هو ما يسمح للإنسان من أن يجد طريقه بوضوح وسط أعبائه ومسؤولياته، وعندئذ يفهم ما يطلبه الله منه وما الرسالة التي يدعوه إليها. ولا تعني الرسالة بالضرورة عملا جديدا أو نشاطا كبيرا، بل اكتشاف إرادة الله لنا هنا والآن. وبالتالي فقد يكتشف البعض أن إرادة الله لهم هي في الانخراط الجدي في عملهم أو دراستهم، أو بالقيام بفرح بواجباتهم العائلية والمهنية، أو مواصلة الخدمة الاجتماعية أو الكنسية التي يؤدونها. وقد يكتشف أعضاء جماعة معينة رسالة مشتركة يقومون بها في الكنيسة والمجتمع، نتيجة لتلاقي اهتماماتهم الرسولية وظروفهم الحياتية.

وكما نحتاج إلى مساعدة الآخرين لتمييز صوت الله، نحتاج إلى مساعدتهم كي نحقق إرادة الله ونثابر في القيام بها. وعندما نقول إن جماعة رفاق الكرمة ترسل أعضائها في رسالتهم، فهذا يعني أنها تشاركهم المسؤولية في التمييز الروحي وفي القيام برسالتهم. في هذه الحال، تتحول الرسالة الشخصية إلى رسالة جماعية لأن الجميع يتضامن مع من يقوم بها ويعضده ويقيم معه نتائجها وأبعادها. الرسالة المشتركة تعني المسؤولية المشتركة عن ما يقوم به أعضاء الجماعة، فلا تعدُّ رسالتهم موضوعا شخصيا بل شأنا جماعيا بكل معنى الكلمة، وبالتالي تتحول جماعة رفاق الكرمة إلى جماعة رسولية حقة.

 

حيوية الجماعة     

تقع مسؤولية حيوية الجماعة على عاتق جميع أعضائها، ولكن للمنشط والمرافق الروحي دور محدد. الجماعة كالجسد، تتكون من أعضاء مختلفين ولكن مدعوين للتكامل والتضامن. يمثل هذا الهدف – أن يتحول أفراد الجماعة إلى أعضاء في جسد واحد - أفقا تصبو إليه الجماعة بلا كلل وبالرغم من المصاعب والتحديات. ويعود إلى المنشط مسؤولية الانتباه إلى حيوية كل عضو في الجماعة كشرط أساسي لخلق الحيوية الجماعية، كما يعود إليه حفاظا على الحيوية الجماعية أن يدفع الأشخاص إلى توجيه طاقاتهم للمساهمة الإيجابية في بناء وتشكيل الجماعة. وفي إطار التمييز الروحي المشترك، يتحمل المرافق الروحي مسؤولية توضيح أسس التمييز ومساعدة الأعضاء كأفراد وكجماعة على التقدم في الإنصات إلى صوت الرب وفهم علامات حضوره.  

وبوسعنا أن نشير إلى أبعاد أربعة مهمة لحيوية الجماعة نلخصها تحت بند التكوين أو النمو المستمر. أول هذه الأبعاد يختص بأساس الخبرة الروحية المؤسسة للجماعة، ألا وهي الاختبار الروحي القائم على مسيرة الرياضات الروحية. إذا كانت جماعة رفاق الكرمة تقوم على هذا الأساس، فلا سبيل لاستمرارها ونموها إلا بمواصلة النهل من النبع الأول، عن طريق الصلاة وفحص الضمير والمشاركة الروحية، وخصوصا من خلال الاختبار المتجدد للرياضات الروحية السنوية. ويعني هذا أيضا التدريب على التمييز الروحي والتعمق في أبعاد الروحانية الإغناطية، بواسطة الممارسة الفعلية ومن خلال القراءات والندوات على سبيل المثال.

ويفيد التكوين المستمر أيضا تقديم الوسائل التي تتيح لأعضاء رفاق الكرمة قراءة "علامات الأزمنة" وتحليل مغزاها، بمعنى مساعدتهم على تحليل الأمور الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وعلى تتبع التطور الفكري والثقافي الحادث في مجتمعهم. فرفاق الكرمة منخرطون في دراسات وأعمال ونشاطات مختلفة، ويهدفون إلى الحضور الحي والفعال في أماكن تواجدهم، ومن هذا المنطلق فهم بحاجة – لتجسيد خبرتهم الروحية – إلى معرفة صادقة للعالم الذين يعيشون فيه. ومن الأكيد أيضا أنهم سيجدون معونة قوية إذا عرض عليهم تكوين لاهوتي مبسط يصقل خبرتهم الروحية واندماجهم الاجتماعي.      

وكأي جماعة، يحتاج رفاق الكرمة إلى معرفة بعض الأساليب الخاصة بديناميكية الجماعة. فجماعة رفاق الكرمة تمر بمراحل نمو مختلفة، وتتعرض كأي جماعة إنسانية لأزمات في العلاقات، ويحيا أعضاؤها فترات همة ونشاط ويعتريهم في فترات أخرى الخمول والفتور. فيحتاجون أحيانا إلى فترة توقف ومراجعة، وأحيانا أخرى إلى مساعدة في فهم ما يحدث لهم وفي كيفية استخدام الوسائل المناسبة للتغلب على الصعوبات التي تواجههم.

 ولعل من أهم الإشارات التي تعبر عن حيوية رفاق الكرمة هي قدرتهم على استقبال أشخاص جدد داخل فرقهم، وعلى التفاعل مع ظروف متغيرة داخل جماعاتهم، وعلى الانفتاح على أوضاع كنسية واجتماعية غريبة عليهم. فعادة ما تثير فينا التخوف والحذر، بل النزعة إلى الانغلاق، تلك الظروف أو الأحداث التي تقلقنا لكونها جديدة أو متغيرة أو غريبة. ولذا فهي تتطلب روحانية صلبة وشخصية مرنة وفكر ناضج، ثمرة نمو وتعمق في حياة رفاق الكرمة وتعبير أصيل عن حيويتها.

 

من الفرد إلى الجماعة الرسولية

حياة رفاق الكرمة هي مسيرة حية ومتجددة، تحمل الشخص على الدخول في اختبار حقيقي مع المسيح بواسطة الرياضات الروحية، ليجد مكانه داخل جماعة مكونة من رفاق وأخوة له، محمولين بالخبرة الروحية ذاتها ومدفوعين للعمل مع يسوع في نشر ملكوته. حياة رفاق الكرمة هي  خبرة الخروج من وحدة الفرد إلى فرح الجماعة الرسولية التي تميز علامات الأزمنة ونداءات الروح القدس في داخلها وفي كنيستها ومجتمعها لتتحول إلى قوة حضور وشهادة وسط العالم.

 

بقلم الأب نادر ميشيل اليسوعي     


The comment section is restricted to members only.
 
 
Share on facebook

من معرض الصور