صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك

اليوم الخامس عشر: تبارك الملك الآتي باسم الربّ

بقلم الأب نادر ميشيل

لو19: 28قالَ هذا ثُمَّ تَقَدَّمَ صاعِداً إِلى أُورَشَليم. 29ولمَّا قَرُبَ مِن بَيتَ فاجي وبَيتَ عَنْيا عِندَ الجَبلِ الَّذي يُقالُ لهُ جَبَلُ الزَّيتون، أَرسَلَ اثْنَينِ مِن تَلاميذِه، 30وقالَ لَهما: اِذهَبا إِلى القَريةِ الَّتي تِجاهَكُما، تَجِدا عِندَما تَدخُلانِها جَحشاً مَربوطاً ما رَكِبَه أَحَدٌ قَطّ، فَحُلاَّ رِباطَه وأْتِيا بِه. 31فإِن سأَلَكما سائِل: لِمَ تَحُلاَّنِ رِباطَه؟ فقولا: لأَنَّ الرَّبَّ مُحتاجٌ إِليه. 32فذَهَبَ المُرْسَلانِ فَوَجَدا كما قالَ لَهما. 33وبَينَما هُما يَحُلاَّنِ رِباطَ الجَحْش، قالَ لَهما أَصحابُه: لِمَ تَحُلاَّنِ رِباطَ الجَحْش؟ 34فقالا: لأَنَّ الرَّبَّ مُحتاجٌ إِليه. 35فجاءَا بِالجَحْشِ إِلى يسوع، ووضَعا رِدائَيْهما علَيه وأَركَبا يسوع. 36فَسارَ والنَّاسُ يَبسُطونَ أَردِيَتَهم على الطَّريق. 37ولمَّا قَرُبَ مِن مُنحَدَرِ جَبَلِ الزَّيتون، أَخذَ جَماعَةُ التَّلاميذِ كُلُّها، وقدِ استَولى عَليهِمِ الفَرَح، يُسَبِّحونَ اللهَ بِأعلى أَصواتِهِم على جَميعِ ما شاهَدوا مِنَ المعجِزات، 38فكانوا يَقولون: تَبارَكَ الآتي، المَلِكُ بِاسمِ الرَّبّ! السَّلامُ في السَّماء! والمَجدُ في العُلى! 39فقالَ له بَعضُ الفِرِّيسيِّينَ مِنَ الجَمْع: يا مُعَلِّمُ انتَهِرْ تَلاميذَكَ!  40فأجابَ: أقولُ لَكم: لو سَكَتَ هؤلاء، لَهَتَفَتِ الحِجارَة!  . (لو 19/ 28-40).

 

تبارك الملك الآتي باسم الربّ

حين ولد يسوع، “ظهر ملاك الربّ للرعاة، وأضاء مجد الربّ حولهم، ... وظهر مع الملاك بغتة جمهور من جند السماء، يسبحون الله ويقولون: “المجد لله في العلى وفي الأرض السلام للحائزين رضاه” (لو2: 9، 13-14). وعندما تقترب ساعة تقدمة ذاته على الصليب، يهلّل تلاميذه ويسبحون الله بأعلى أصواتهم: “تبارك الملك الآتي باسم الربّ، السلام في السماء، والمجد في العلى”. بداية ونهاية في التهليل لعمل الله ومجده الذي يظهر في يسوع، مَن جاء ليملك على “عرش أبيه داوود ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية” (لو1: 32-33)، وها هو يعلنه تلاميذه ملكًا.

ولكنّه أيّ ملك هو؟ وما مملكته؟ ومَن هم رعاياه؟ لقد فرحت السماء لما ولد ابن العليّ في مذود، ويهلّل تلاميذ يسوع حين يدخل أورشليم، إنسانًا بسيطًا يركب على ظهر جحش صغير، وكأنّه طفل. منذ بداية حياته العلنيّة في مجمع الناصرة، وقد أمتلأ من الروح القدس، ويسوع يعي رسالته خادمًا للناس، بالأخصّ الصغار والضعاف، المساكين والمتعبين، المأسورين والعميان (لو 4: 18). وفي حياته كلّها، ظهر قريبًا من الخطأة والمرضى والحزانى، وها قد جاءت الساعة ليتضامن مع الإنسان في مواجهته العنف والموت، ألد أعداء البشر. وكيف يواجههما يسوع؟ يتقدم يسوع نحو أورشليم متّكلاً على أبيه، لا يملك سوى كلمته التي تسكن قلبه وتنير حياته: “أنت ابني الحبيب” (متّى 3: 17)، وقد صارت سنده وقوّته، فرحه وسلامه.

يحكم رؤساء هذا العالم بالقوّة والعنف، ولا يخجلون من الكذب والنفاق، ويطلبون من الناس السمع والطاعة، مدّعين أنّهم يحمون حقوقهم ويسهرون على مصالحهم، وهم في الحقيقة لا يسعون إلا إلى غناهم ومجدهم وكبريائهم. وهم بذلك يأججون الصراع بين الناس ويدفعون بهم إلى الكذب والعنف. لا يخلّص العالم إلا الحبّ، والحبّ لا يعرفه الإنسان، بل هو الله مَن يعلّمه للبشر. والحبّ دائمًا هو عطاء، بذل للذات، مشاركة، تواصل، مصالحة، احترام الآخر، والرغبة في خيره والغيرة على مصلحته. امتلأ قلب يسوع بهذه المشاعر تجاه كلّ واحد منا، وبدأ يصعد نحو مدينة الآلام مؤمنًا بحبّ الله الآب له، القادر على أن يقيمه من بين الأموات. وعلى هذا الحبّ يسلّم يسوع نفسه ومصيره بين أيدي البشر الخطأة.

يحمل يسوع في جسده وعلى وجهه آلام خطيئة الإنسان وعنفه وكذبه، يصير كالدودة لا إنسان (مز22: 7)، “لا شكل له فننظر إليه، لا بهاء ولا جمال فنشتهيه، محتقر منبوذ من الناس، وموجع متمرّس بالحزن، ومثل مَن تحجب عنه الوجوه نبذناه وما اعتبرناه” (أش 53: 2-3). هكذا الحبّ يأخذ يسوع إلى حيث لا نستطيع أن نذهب أو أن ننظر، إلى موضع قبحنا وخطيئتنا، قبح العالم وخطيئته. إنّ الحبّ هو دائمًا وداعة أقوى من العنف والكراهيّة، وهو دائمًا تواضع ينحني ليكبر أحبّاؤه. يدخل يسوع أورشليم كولد صغير يمتطي جحشًا لينزع الخوف من كلّ قلب، ليمحو الخجل من كلّ نفس، ليطهّر الذهن والوجدان، الذاكرة والمخيّلة. مَن يخاف طفلاً؟ ومَن لا يفتح ذراعيه لولد كلّه حبّ وفرح وسلام؟ ومن كلّ القلب، تهلّل التلاميذ بالربّ الوديع والمتواضع.

نعم الملائكة تسبح يسوع، ولكن الآن علينا نحن أن نفرح به وأن نستقبله في قلوبنا وحياتنا، واضعين تحت أقدامه كلّ ما يمنعنا من كبرياء وأنانيّة، وكلّ ما يعوقنا من انغلاق على الذات ومن تواطؤ مع روح غضب وانتقام. إلى آخر الأيام، سيدخل يسوع إلى مدينتنا وبلادنا، كنائسنا وعائلاتنا، قلوبنا وواقعنا، ملكًا متواضعًا، خادمًا كلّه حبّ ومغفرة، وكلّه رجاء وثقة بنا. مَن سيعلن انتصار الحبّ على البغض؟ ومَن سيعلن غلبة الوداعة على العنف؟ نحن، ونحن فقط! نحن الذين خرجنا من كذبنا وعرفنا أنّه “حمل عاهاتنا وتحمّل أوجاعنا، حسبناه مصابًا مضروبًا من الله ومنكوبًا، وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل خطايانا. سلامنا أعدّه لنا، وبجراحه شفينا” (أش 53: 4-5).

يسوع هو مخلّص العالم، يسوع هو مخلّص الإنسان، ويخلّصه بالحبّ، والحبّ وداعة وبساطة وخدمة، لا يعرفها العالم ولا يفهمها، أمّا نحن فإنّنا نعرف ونؤمن بأنّه “لما كانت حكمة الله أنّ لا يعرفه العالم بالحكمة، شاء الله أن يخلّص المؤمنين به بحماقة البشارة، وإذا كان اليهود يطلبون المعجزات، واليونانيّون يبحثون عن الحكمة، فنحن ننادي بالمسيح مصلوبًا، وهذا عقبة لليهود وحماقة في نظر الوثنيّين، وأمّا الذين دعاهم الله من اليهود واليونانيّين، فالمسيح هو قدرة الله وحكمة الله، فما يبدو أنّه ضعف من الله هو أقوى من قوّة الناس” (1قو1: 21-25).


 

 


The comment section is restricted to members only.
 
 
Share on facebook