صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك

نحن والصوم

"5 أَيَكُونُ الصَّوْمُ الَّذِي أَخْتَارُهُ فِي إِذْلاَلِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ يَوْماً، أَوْ فِي إِحْنَاءِ رَأْسِهِ كَالْقَصَبَةِ، أَوِ افْتِرَاشِ الْمِسْحِ وَالرَّمَادِ؟ أَتَدْعُو هَذَا صَوْماً مَقْبُولاً لَدَى الرَّبِّ؟ 6 أَلَيْسَ الصَّوْمُ الَّذِي أَخْتَارُهُ يَكُونُ فِي فَكِّ قُيُودِ الشَّرِّ، وَحَلِّ عُقَدِ النِّيرِ، وَإِطْلاَقِ سَرَاحِ الْمُتَضَايِقِينَ، وَتَحْطِيمِ كُلِّ نِيرٍ؟ 7 أَلاَ يَكُونُ فِي مُشَاطَرَةِ خُبْزِكَ مَعَ الْجَائِعِ، وَإِيْوَاءِ الْفَقِيرِ الْمُتَشَرِّدِ فِي بَيْتِكَ، وَكُسْوَةِ الْعُرْيَانِ الَّذِي تَلْتَقِيهِ، وَعَدَمِ التَّغَاضِي عَنْ قَرِيبِكَ الْبَائِسِ؟" أشعياء 58: 5 - 7

كيف نفهم الصوم على ضوء خبرة وتجربة يسوع في البريّة؟

لكي نفهم جيدًا ما حدث في البريّة بين يسوع والمجرّب حيث عرض هذا الأخير على يسوع أن يحوّل الحجارة إلى أرغفة، وأن يلقي بنفسه من أعلى الهيكل، وأن يصبح ملك ذو سلطة على العالم أجمع. لكي نفهم ما حدث علينا أن لا ننسى أنّه على الصليب تتمّ السخرية من يسوع «أنقذ نفسك... انزل من على الصليب». لكن نهاية المطاف هي القيامة حيث يعلن الملاك بأنّ المسيح سبق تلاميذه إلى الجليل. ففي فترة الصوم، كزمن تحضير للقيامة نعيش كل هذه التجارب مع الصلب من خلال الأناجيل التي نقرأها في هذه الفترة.

 

فالمعركة التي خاضها يسوع ويدعونا على خطاه تكمن في:

* رفض علاقاتنا المزيّفة، والمشوّهة مع الله: ارم بنفسك من أعلى الهيكل.

* رفض علاقاتنا المزيّفة والمشوّهة مع الآخرين، التسلّط على العالم.

* رفض علاقاتنا المزيّفة والمشوّهة مع ذاتنا: أن نتغذى من حجارة تحوّلت إلى خبز.

إذن نحن مدعوّين لنعيش فعليًّا كأبناء لله، كأحبّاء الله. ولنخوض هذه المعركة، لدينا ثلاثة أسلحة، إن صحّ التعبير، ثلاثة وسائل تسمح لنا بالخروج منها منتصرين: الصوم والصلاة والصدقة.

يسوع الذي عاش وحقّق ذاته كأبن لله وذلك من البريّة حتى ساعة التخلّي الكبرى ساعة الصليب، إذ أنّه: استقبل ذاته من أبيه، ولذلك يصوم. يلتفت إلى أبيه فيصلّي، يلتفت إلى أبيه وإلى الآخرين فيعطي (الصدقة).

فالصلاة ليست مجرّد ترداد بعض الصلوات، والصوم ليس فقط الامتناع عن الأكل، والصدقة ليست مجرّد عطاء ماديّ للآخر. بل هذا كله يعود للقول بأن أعيش علاقة حقيقيّة مع الله ومع الآخر ومع ذاتي.

فالصوم إذن لا يكمن فقط في الامتناع عن الأكل أو عن بعض الرغبات. هذه الأمور تبقى تعبير رمزيّ لما هو أعمق وأكثر جوهريّة، إنّها تدعنا نقول بأنّ الله هو الوحيد الذي يستطيع أن يعطينا الخبز الحقيقيّ، الجوهريّ، أو بمعنى آخر هي تعبير على أنّني أُسلّم ذاتي لله واستقبلها منه، أنني ابن الله وليس لي إله غيره. وهذا الأمر يُعبّر عنه بطريقة إيجابيّة: أن أفتح عينيّ وأذنيّ حتى أنظر فعلًا لما يحدث من حولي حتى أستطيع أن أرى وأسمع المحتاج: «الحقّ، الحقّ أقول لكم، كلّما فعلتم بأحد أخوتي هؤلاء الصغار فلي أنا فعلتموه». فالخطيئة لا تكمن فقط في العمل السيّء والمؤذي، بل هي جوهريًا عندما لا أسعى للقيام بالخير، بمدّ يديّ لمن هو بحاجة إليّ، أن أكتفي بذاتي «الحيط، الحيط ويا ربّي السترة»، كما نقول باللغة العاميّة. مساعدة الآخر، هي صدقة، وليس فقط العطاء الماديّ، الصدقة هي أن أصغي للآخر، أن أكون حاضرًا له بالفعل، أن أعيش علاقات حقيقيّة، على مثال المسيح الذي ذهب إلى عطاء ذاته حبًّا بنا. فالصوم هو أولًا أن أقوم بأمور إيجابية، أن أعيد علاقاتي بشكل حقيقي، وبهذه الطريقة أعيش كابن لله.

الصوم هو أخيرًا أن أفرّغ ذاتي من كلّ ما يحجبني عن الله والآخر وذاتي، لكي أستطيع انتظار العريس الآتي والقائم من بين الأموات، ولذلك ارتبط الصوم بالقيامة في الكنيسة. فالصوم أخيرًا هو مسيرة تحرّر وموت عن الذات، لكي أستطيع عيش القيامة.

إذا كان يسوع قد عاش كلّ ذلك في صميم حياته اليوميّة، فكم بالأحرى نحن، علينا أن نعيشها واقعيًا. ولكن هذا غير ممكن بدون الصلاة. فبالصلاة أستقبل ذاتي من الله ولكن بالأخصّ أستمدّ منه العون والقوّة. بالصلاة أكتشف ذاتي وضعفي ممّا يسمح لي بالانطلاق بشكلٍ صحيح وحقيقيّ باتجاه ذاتي والآخرين.

الصوم والصلاة والصدقة يشكّلون معًا التوبة الحقيقيّة التي تكمن في الاعتراف بابتعادي عن الله والعودة إلى «حظيرة خرافه». فالصوم بدون التوبة لا معنى له ولا فائدة. بالصوم والصلاة والصدقة أموت عن ذاتي (أعيش معموديتي) لأقوم مع القائم من بين الأموات.

لذلك مرحلة الصوم هي مرحلة فرح، فرح قدوم العريس، فرح الاكتشاف بأنّنا أبناء الله. بالمعموديّة أصبحنا أبناء الله، وروحه يسكن فينا لكي يساعدنا للعودة إليه وإلى أخوتنا البشر. فإذا كنّا ننادي الله أبانا، فهذا يعني أنّنا أخوة. ولكي نستطيع القول بأنّنا اخترنا المسيح وأنّنا حقًا أبناء الله، علينا أن نتحقّق من ذلك في واقعنا اليوميّ.

علينا أن نتحقّق فعليًا بأنّنا أحرار وحقيقيّين. فالصوم إذن هو فترة فرح حيث نكتشف بنوّتنا لله، وهذا يقودنا بالضرورة إلى المحنة والتجربة، يقودنا إلى البريّة. لذلك لا بدّ من التخلّي عن الحزن لأنّه لا يأتي من الله، لا بل هو دلالة غيابه من حياتنا. في هذه الفترة نكتشف إلى أي حدّ نعمل ونتصرّف انطلاقًا من أحكام مسبقة، وأنّنا نضع الله في أفكار جامدة، وأنّنا نقف أمامه في موقف العبد بدلًا من الابن. فلنقف بشجاعة، شجاعة الأبناء ونعيش بالفعل كأخوة وكأبناء.

(من مقال "معنى الصوم" على JESPRO)

لقراءة المقال كاملًا، اضغط هنا


The comment section is restricted to members only.
 
 
Share on facebook